الخميس. فبراير 9th, 2023

موجة الانقلابات.. صراع الأفيال والحشائش

1673172520 1 - موجة الانقلابات.. صراع الأفيال والحشائش


تقرير: محمد جمال قندول

لا تبدو الاوضاع في منطقة الوسط الافريقي في أفضل احوالها، وخلال الايام الاخيرة احتل نبأ انقلاب عسكري تم اجهاضه بدولة تشاد مساحات واسعة ليس على مستوى انجمينا بل امتد صداه لكل دول المنطقة التي تشهد اوضاعاً سياسية وامنية معقدة، وتجتمع جميعها في محنة الازمات الاقتصادية المستحيلة، وقبل ايام تحدث نائب رئيس مجلس السيادة الفريق اول محمد حمدان دقلو عن انقلاب تم افشاله في افريقيا الوسطى، وفي ظل انشغال الخرطوم بأزمتها السياسية المعقدة يخشى الكثيرون ان تنجرف في مساعي بحثها عن توافق يجمع الفرقاء وتنشغل عن تحديات ماثلة أمامها ابرزها موجة الانقلابات الاخيرة التي حدثت في عدد من دول الجوار وامتداد تأثيرها الى الاوضاع بالسودان .
صراع المحاور الدولية
وقبيل أيام قليلة أعلنت الحكومة الانتقالية في تشاد إحباط محاولة عدد من العسكريين الانقلاب على نظام الحكم للمرحلة الانتقالية واعتقال المشاركين في المحاولة، وفي بيان لأنجمينا ذكرت فيه ان خلف هذه التحركات مجموعة صغيرة من المتآمرين تتألف من أحد عشر ضابطاً في الجيش بقيادة بحر الدين بردي تارقيو رئيس المنظمة التشادية لحقوق الإنسان.
وتمر تشاد بأزمات عديدة منذ مقتل رئيسها دبي، وفي اكتوبر من العام الماضي نُصب محمد إدريس ديبي إتنو رئيساً للمرحلة الانتقالية الثانية في البلاد وفق مخرجات الحوار الوطني.   
ويذهب المحلل السياسي د. الكباشي البكري الى انه ليس بالضرورة ان تلقي التقلبات الأمنية والسياسية والعسكرية في جوار السودان الإقليمي واعماقه الافريقية بهذه الحدود الممتدة والمتداخلة بظلالها على المشهد السياسي السوداني، مشيراً الى ان الانقلابات الاخيرة العسكرية بالقارة كانت نتاج صراعات المحاور الدولية والاقليمية التي لعبت ادواراً كبيرة ومؤثرة في تشكيل الغلبة بصراع النفوذ ووضع اليد على الانظمة الموالية لهذه المحاور الدولية.
ويمضي البكري في تعليقه على معرض الطرح معتبراً ان هشاشة الاوضاع كانت العامل المشترك في الدول التي حدثت فيها تحركات عسكرية لتقويض النظام الدستوري، وتابع د. الكباشي وقال إن العمق الافريقي وجوار السودان العربي شكلا محور تحولات كبيرة جداً خاصة في اعقاب مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي وانقلاب نظام الحكم في إفريقيا الوسطى والمشهد الليبي غير المستقر لسنوات.
ويشير الخبير والمحلل السياسي الكباشي الى عدة عوامل أسهمت في التهاب منطقة القرن الافريقي، وأضاف قائلاً: (كل ذلك الواقع يلقى بظلاله السياسية وفواتيره على تقاطعات المشهد السوداني، والمحك الحقيقي بعد وقوع هذه الانقلابات وفرض سلطة الامر الواقع في البلدان مسار الحديث هو مواقف المجتمع الدولي المتباينة في التعامل مع هذه التحركات العسكرية وتوظيفها الواضح لمصالحها الاستراتيجية المتقاطعة في ابقاء سلطة هذه الحكومات واقرارها، وقد حدث ذلك على مرأى العالم في انقلابات على ديمقراطيات عريقة في مصر وتونس وعلى أنظمة منتخبة)، وأضاف المحلل السياسي البكري ان مواقف المجتمع الدولي شكلت معيقاً اساسياً أمام شعوب القارة السمراء في التدرج في مسار الديمقراطيات والتحولات المدنية لمؤسسات الحكم في بلدانها.

تمظهرات الصراع الدولي
وفي بحر الاسبوع الماضي أعلن نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو إحباطهم محاولة لقلب نظام الحكم في إفريقيا الوسطى، واتهم دقلو جهات لم يسمها بالتخطيط لتغيير النظام في إفريقيا الوسطى انطلاقاً من داخل الحدود السودانية، كاشفاً عن القاء القبض على المتورطين وفتح معسكرات للضبط والرقابة على الحدود.
ويرى مراقبون ان ظاهرة الانقلابات في إفريقيا تعد تمظهرات للصراع المستمر بين المكونات الاقليمية والدولية، وتأتي كانعكاس للنظرة الدولية لتقسيم المنطقة، في وقت ترى فيه المكونات المحلية ان الوقوف ضد هذه الخطط الداعية لتغيير الانظمة يأتي عبر انقلابات.
فيما تذهب بعض الأصوات الى تمدد هذه الظاهرة في عدد من البلدان بسبب حالة عدم الاستقرار التي طرأت في اعقاب ثورات الربيع على الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وما لم تذب تداعيات الربيع العربي الذي امتد للعمق الافريقي خلال السنوات الاخيرة بميلاد أنظمة قوية وراسخة فإن حالة الاضطرابات ستستمر لفترة طويلة.
  المقاتلون والسلاح
وبدوره قال السفير العبيد المروح لــ (الانتباهة) ان الانقلابات العسكرية أو ومحاولة الانقلابات التي جرت في منطقة الساحل الإفريقي خلال الفترة والأشهر الماضية لها انعكاساتها الأمنية على السودان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، نظراً للتداخل الحدودي والقبلي بين السودان وبعض هذه البلدان (تشاد وإفريقيا الوسطى)، وبالتالي سهولة حركة المقاتلين والسلاح أو حتى حركة النازحين.
وتابع بانه في هذه المنطقة الممتدة من ساحل البحر الأحمر إلى ساحل المحيط الهادي، تشتد حدة الصراع الدولي على النفوذ والمصالح، وتحديداً بين الصين وروسيا من جهة وبين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا من جهة أخرى، وينعكس ذلك على استقرار تلك البلدان بحكم محاولات الاختراق والتأثير الذي تمارسه القوى المتنفذة داخل كل دولة.
والمروح اضاف ان انعكاس هذه الآثار السلبية يمتد لقدر كبير من الوقت، فالمنطقة كلها في حالة إعادة تشكل، والسودان نفسه على جدول وأولويات إعادة التشكيل هذه. كما أن حدة صراع النفوذ بين القوى العظمى على القارة الإفريقية هو الآن في واحد من أبرز تشكلاته.
ويرى محدثي انه من الضرورة بمكان أن تدرك السلطة القائمة الآن في السودان الأبعاد المتعددة والآثار المدمرة لصراع القوى الدولية هذا، وأدوات الصراع المستخدمة فيه، وأن تتدارك أمر البلاد التي بدأت تنتقل إليها العدوى، وذلك بجعل قضية الاستقرار السياسي على رأس الأولويات ولا تدخر وسعاً في تحقيقها.
تاريخ القارة مع الانقلابات
وكلما ذكر تقويض النظام الدستوري برزت افريقيا متصدرة هكذا محاولات، سواء كانت هذه الانقلابات ناجحة او اجهضت. والمراجع للتاريخ القريب ناهيك عن البعيد يعرف ان هذه الموجة التي اقعدت افريقيا مرت بدول السودان وتشاد وبنين والنيجر وجزر القمر ونيجيريا وغانا وسيراليون وغينيا بياسو وبورندي ومالي .
وفي مايو من العام الماضي أطاح الضابط العقيد أسيمي غويتا رئيس المجلس الانتقالي ورئيس الوزراء وعين نفسه نائباً للرئيس، ولم تسلم الخرطوم خلال فترة الانتقال من محاولات عديدة لاستلام السلطة عبر الانقلاب، ولعل اشهرها انقلاب رئيس اركان الجيش السوداني الفريق اول هاشم عبد المطلب وآخرها انقلاب اللواء بكراوي.
وثمة تساؤلات عديدة عن امكانية ان يتأثر السودان بسلاح تقويض النظام الدستوري عبر الانقلابات، ولكن خبراء يجيبون بان اوضاع الخرطوم ليست كسابق سنواتها، فالاوضاع الحالية ليست بها تربة لنجاح اية محاولة عسكرية لاستلام السلطة، لجهة التعقيدات التي تصاحب المشهد السياسي بالبلاد، فضلاً عن الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد، بجانب عدم الاعتراف من المجتمع الدولي باية تحركات لتقويض الدستور. ولكن بالمقابل فإن خبراء سياسيين يعتبرون ان الظروف الحالية مواتية لانقلاب عسكري لاجتماع عوامل عديدة ابرزها حالة انسداد الافق وتمدد الاستياء الشعبي من النخب والعسكريين لعدم انجازهم لحل توافقي يفضي لاستئناف الانتقال وتشكيل الحكومة مروراً بالانتخابات .
تهديدات مباشرة
الخبير الامني والاستراتيجي اللواء امين اسماعيل مجذوب ايضاً كان له اسهام بالتعليق على معرض الطرح، حيث وصف في حديثه لــ (الانتباهة) ظاهرة الانقلابات العسكرية في افريقيا بالمتوارثة، حيث حدث حوالى مئة انقلاب عسكري في الدول الافريقية، ويرجع ذلك ــ بحسب مجذوب ــ للقوى الاستعمارية التي تحاول ان تربي نخباً عسكرية موالية لها مع سياسيين غير موالين لهذه القوى والعكس .
واضاف اللواء امين انه خلال السنوات الماضية شهد دفتر افريقيا تزايد ارقام الانقلابات رغم بنود الالفية الثانية التي تتحدث عن مدنية الحكم والتدخل لاسباب انسانية ومشاركة المرأة، ومع ذلك مازالت تحركات اسقاط الانظمة عبر الانقلابات حاضرة، خاصة في غرب افريقيا على غرار مالي وبوركينا فاسو وغينيا بيساو التي ارتبطت فيها هذه الموجة بتناقص النفوذ الفرنسي ونشوء هبات قومية باعتبار انهم اعتبروا كل الرؤساء الذين سقطوا عملاءً لباريس واضاعوا موارد البلاد، وبالتالي قامت انقلابات أدت الى تعليق عضوية الدول المذكورة في المناشط الاقليمية والدولية .
ويستفيض اللواء أمين في افاداته ويقول ان الظاهرة تمددت قبل أشهر لافريقيا الوسطى بانقلابين فشلا ثم في تشاد خلال الايام الماضية، وفي 2013م في مصر بتدخل عسكري واطاحة حكومة القاهرة، وايضا هنا في السودان متمثلة في اجراءات اكتوبر التي صنفت بأنها تدخل عسكري .
ويذهب محدثي الى ان الخرطوم لن تسلم من تأثيرات هذه الاحداث لانها تتأثر وتؤثر كذلك اقتصادياً وسياسياً وثقافياً في الدول الافريقية المجاورة. كما ان هنالك مداً عروبياً ومحاولات لتغيير ديمغرافي في بعض البلدان السمراء، وهي ظاهرة جديدة واستراتيجية جديرة بالدراسة لانها تحاول ايجاد موطئ قدم لها بعد حرمان لسنوات طويلة، حيث كانت هذه المجموعات العربية مرفوضة في كل الدول الساحلية الخمس، وتحاول ان تجد موطئ قدم لها.
ويواصل أمين قائلاً: (ان السودان مقبل بعد ثورة ديسمبر على تغيير للحكم وانتقال ديمقراطي ومدنية الحكم، ولكنه يعاني في الوصول لهذه الاهداف نسبة للصراع الدائر بين النخب المدنية والعسكرية، وبالتالي قد تمتد تأثيرات اسقاط الانظمة للخرطوم حال نجحت وحال فشلت بعقوبات ورفع العصا من المجتمع الدولي لافريقيا، والطبع ستنحسر الظاهرة). واعتبر الخبير العسكري اللواء امين مجذوب ان عدة اسباب قادت للانقلابات في افريقيا، منها رؤية بعض القادة الافارقة بأن روسيا اضحت بديلاً مناسباً لفرنسا لتعاملها معهم باستخراج المعادن والذهب، وتمدهم بما يحتاجون اليه من سلاح واحتياجات عسكرية اخرى ولوجستية وربما اقتصادية، فضلاً عن تأثيرات جائحة (كورونا) التي أثرت بشكل مباشر في الاقتصاديات الافريقية مما تولد منها تولد شر الانقلابات العسكرية، واضحت القارة السمراء مرتعاً لها بعد استقرار لسنوات طويلة.
وحذر اللواء مجذوب من التأثيرات المباشرة لهكذا احداث بالجريمة العابرة للحدود وتجارة الحروب والمخدرات ودخول مجموعات للاستيطان بالسودان خاصة من الجانب الشرقي والغربي، وايضاً تحولات وتهديدات اجتماعية مما يفضي لتحولات سياسية لاحقاً، بجانب المهددات الصحية بانتقال بعض الامراض والوبائيات المستوطنة التي يحملها القادمون للسودان بسبب الصراعات والنزاعات المسلحة الموجودة في بعض الدول الافريقية، والنزوح باعداد كبيرة خاصة مع الحدود الهشة في الشرق والشمال.

المصدر من هنا



Source link