السبت. يوليو 20th, 2024

*من الانتخابات للانقلابات الساقية لسة مدورة*

أبراهيم عيسى هدل
hadalcom@hotmail.com
يضخم البعض من شأن الانتخابات العامة باعتبارها وسيلة التغيير والتحوّل الديموقراطي المنشود ويضع آمالا عراضا واحلاما وردية لنتائجها في إحداث النقلة الثورية المأمولة من جموع الثوار ، وتأتي الصدمة حال ظهور نواب للشعب لا علاقة لهم بالثورة وأغلبهم من فلول النظام البائد.

أول وآخر انتخابات عامة شاركت بادلاء صوتي بها كانت في الفترة الانتقالية للديمقراطية الثالثة في أبريل ١٩٨٦م والتي تنافس فيها بدائرة بورتسودان الشمالية الأستاذ عثمان وراق (اتحادي ديمقراطي) والأستاذ محجوب مصطفى الحاج (جبهة إسلامية قومية) وكان نجمها الأشهر في دائرة بورتسودان الوسطى السيد هاشم بامكار محمد عبدالله (اتحادي ديمقراطي)، وهو من سدنة النظام المايوي المباد، حيث أنضم للاتحاد الاشتراكي مبكرا ونال عضوية مجلس الشعب القومي وبرلمان وادي النيل أيام التكامل بين مصر والسودان في عهد الرئيسين الراحلين جعفر محمد نميري ومحمد أنور السادات ثم استمر في بداية عهد الرئيس محمد حسني مبارك
وكان النائب البرلماني الراحل هاشم بامكار سياسيا حصيفا يدرك أصول اللعبة ويحسن استغلال الظروف لمصلحته، تروى قصة خوضه للانتخابات البرلمانية بالستينيات وكان منافسه بالديوم الجنوبية لبورتسودان محظيا لدى أهالي حي الشجرة “ديم تكارين” الذي تسكنه غالبية من قبيلة الهوسا أوشكت أن ترجح كفة المنافس، فاقام هاشم بامكار ليلة سياسية بالديوم الجنوبيه ووعد أهلها حال فوزه بإقامة كوبري يربط ميناء بورتسودان بميناء جدة الإسلامي فضمن بوعوده الانتخابية صوت أهالي تلك المنطقة المعروفين بالحجاج .

فاز بدائرتنا الشمالية الأستاذ عثمان وراق كما فاز هاشم بامكار بالدائرة الوسطى وفاز آخر بالدائرة الحنوبية لم تسعفني الذاكرة باسمه وكلهم من الحزب الاتحادي الديموقراطي وأذكر يومها خروج مؤيدي الحزب الاتحادي في مسيرة احتفائية تهتف “ثلاثة دوائر حمامكم طاير” وذلك لأن مرشح الجبهة الإسلامية المنافس كان رمزه الانتخابي الحمامة مع هتافات أخرى مثل “احلق دقنك يا مسكين الختمية سياسة ودين”،
“حصل نفسك قبل ما تروح الختمية سيفينة نوح”!!.
يومها أحبط شباب الثورة وشعروا بضياع مجهودهم في مناصرة مرشيحهم سدى حيث جاءت نتائج الانتخابات لمصلحة سدنة مايو من مريدي الطائفية السياسية والبيوتات الكبيرة وخابت أحزاب النخب إلا بفوزها بعدد من دوائر الخريجين. فالمعروف بالعالم الثالث أن الانتخابات هي لعبة المال السياسي في صناعة التعصب القبلي والطائفي وشراء الذمم والولاءات المحلية، فلا تنمو الديموقراطية الحقيقة في حضن زعيم الطائفة وشيخ القبيلة أو الطريقة وقائد المليشيا .
ولعله درس للنخب الثورية ذات الصوت العالي والظهور الاعلامي المستدام في الاعتبار بأن الالتصاق بالجماهير العريضة بالقرى والأرياف والأحياء الشعبية هو من قد يرجح كفتها ويصعد بها للبرلمان وليست أضواء الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

لم أشارك في انتخابات عامة بعد ١٩٨٦م لغياب الديمقراطية الحقيقية ولاغترابي خارج السودان بداية بالدراسة الجامعية بمصر ثم بالعمل في المملكة العربية السعودية وتوصلت لقناعة تامة بأن وسيلة التغيير والتداول السلمي للسلطة بالسودان هي الانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية ومن يأتي عبر الانقلاب أو الثورة لن يكون أفضل حالا ممن سبقه خاصة في وجود أحزاب انتهازية مكيافيلية لا تصبر على التطور الديمقراطي وتتعجل الوصول لسلطة بأي ثمن كما حدث في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨م حين سلمت حكومة السيدين برئاسة الأميرلاي عبدالله خليل الحكم للفريق إبراهيم عبود وكما جاء الشيوعيون والقوميون العرب بالعقيد جعفر نميري في ٢٥ مايو ١٩٦٩م
ثم حركة التصحيح التي دبرها الشيوعيون بقيادة الرائد هاشم العطا في ١٩ يوليو ١٩٧١م،
وحين ذهب الشيخ حسن الترابي للسجن حبيسا ليغدو العميد عمر البشير للقصر رئيسا في ٣٠ يونيو ١٩٨٩م .

تتهم الدعاية الحزبية الجيش بصناعة الانقلابات العسكرية لتنفى عنها تهمة تدبير الانقلابات وتنفيذها عبر خلاياها النائمة داخل الجيش وتهيئة الظروف الملائمة لنجاح الانقلاب في الاستيلاء على السلطة.
فالمعروف أن انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ ساندته الكتلة الديمقراطية بالحرية والتغيير، وكان انقلاب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م الفاشل من تدبير المجلس المركزي للحرية والتغيير، فمن شروط نجاح الانقلابات العسكرية هو وجود حاضنة سياسية تسنده وأجهزة مخابرات خارجية تدعمه فلا يكتب لانقلاب معزول عن السند الداخلي والدعم الخارجي النجاح، ولعل هذا ما أورده الكاتب الصحفي المصري الراحل الأستاذ محمد جلال كشك في (كتابه ثورة يوليو الأمريكية) عن حقيقة أول انقلاب حدث بأفريقيا والوطن العربي في ٢٣ يوليو ١٩٥٢م

جاء انقلاب عبود بالأستاذ أحمد خير مؤسس نادي الخريجين وزيرا للخارجية وعبد الماجد أحمد للمالية وسانتينو دينق وزيادة أرباب وزراء.
وتولى صناعة نظام الرئيس جعفر نميري عدد من التكنوقراط الأفذاذ أمثال “رئيس القضاء بابكر عوض الله، ود.جعفر محمد علي بخيت، ود.النذير دفع الله، ود.منصور خالد، والرشيد الطاهر بكر ود.عون الشريف قاسم، ودفع الله الحاج يوسف” .
وأتت حكومة الإنقاذ بكل من “د.محمد علي قنيف، وعلي سحلول، وبروفيسور علي شمو، ود. حسين سليمان أبوصالح” وغيرهم، وهذه القامات الوطنية لم تكن مجرد ديكور لتزيين حكم العسكر بالمدنيين بل شاركوا بفعالية في صناعة القرار الوطني وحياكة القوانين والمراسيم الدستورية بحكم خبرتهم الطويلة .

وما لم تتخل الحالة الثورية السودانية عن الدعاية الحزبية سارقة الثورات، وتبتعد عن الشطط في الخصومة السياسية، وتصنيف خلق الله بمنظار أبيض وأسود، والتعامي عن درجات طيف الألوان المختلفة، لن يتجاوز الثوار حالة المراهقة السياسية والفكرية التي تغرقهم بها الأحزاب السياسية على الدوام إمعانا في الاستحواذ على الثورة وسواقة الناس بالخلاء! لن يقبل الثوار بنتائج انتخابات تأتي بخصومهم السياسيين لسدة الحكم وستكون البلاد على موعد جديد مع انقلاب يدبره دعاة الديمقراطية وحماتها وستبقى الساقية لسة مدورة!!

About Author

 للإنضمام الي إحدي مجموعاتنا علي الواتس اب اضغط علي الروابط

صحيفة السياسي (1)

صحيفة السياسي (2)

صحيفة السياسي (3)

صحيفة السياسي (4)

صحيفة السياسي (5)