الأثنين. يوليو 22nd, 2024

فيسبوك دولة أعظم سادتها الغوغاء

( هذي رؤاي)

عبد العزبز عبد الوهاب

.. ولايزال هذا الكائن الأزرق مندسا بخبث في السكينة ، يواصل التلصص ، بليلٍ يتداخل فيه النهار ، إمتصاص وقت البشر وراحتهم حتى وهم منخرطون في غرفهم المعتمة ، يسرق صورهم ، من دون أن تجد شكواهم صدىً يذكر .

إنه الفيسبوك ، أداة إطفاء النور في النفس السوية ، منصة إطلاق الظلامات و الشرور ، إنه ماكينة صناعة الشهرة والتضليل ، تعكير صفو النزاهة ، وتغذية مشاعر الكراهية والعنف الجنسي واللفظي، التنمر والإنحياز .

بالمقابل ربما نجد أن عديد ( الإيجابيات) أوجدها الفيس منذ انطلاقته، منها الاتصال و الإغاثة وتوحيد المشاعر تجاه الكوارث مثلا .

لكن من وراء تلك الأسانيد غير المفحوصة جيدا ، فإن الخبراء وجدوا أن الموقع ظل يحصد المليارات ، ينفقها الرواد دون إكتراث ، وفي غياب وعيهم بأهمية الوقت والمال المتدفقان لحساب مالكي الموقع .

وهنا يصبح قريبا من المقبول تسمية هذه المنصات بمواقع التنافر الإجتماعي بتعبير سيفا فيدياناثان مؤلف كتاب وسائل التنافر: كيف
يسهم فيسبوك في قطع العلائق بين الناس ويقوّض الديمقراطية؟.

يطرح الكتاب عدة حلول تفضي بمجملها إلى ضرورة إتقاء شرور هذه المنصة وترويضها وكف تهديدها للمجتمع.

في أكتوبر 2003م أنشأ مارك زوكربيرغ الطالب بالصف الثاني بجامعة هارفارد ، موقعا أطلق عليه ( فيس ماتش) وذلك عبر ( إختراقه) لمواقع آمنة في حاسوب الجامعة مما جعله في مواجهة إتهام ربما يقوده للطرد ، لكن هارفارد تراجعت عن هذا الإجراء وأسقطت عنه التهم .

تخصص ( ماتش) في التصويت لإختيار الطالب الأكثر جاذبية .

لكن مارك أقر : هناك أمر واحد مؤكد، وهو أنني ارتكبت حماقةً عندما أقدمت على إنشاء ذلك الموقع. على كل حال إن أي شخص آخر كان سيقوم بذلك في نهاية الأمر.

وفي الشهور التالية تمكن مارك من إنشاء ( فيس بوك) مع اثنين من أصدقائه في السكن الجامعي . وبحلول عام 2006م أصبح بوسع كل من بلغ 13 عاما أن يكون عضوا في الموقع.

صُنف الفيس عند تأسيسه بأنه ثالث أكبر شركة في تاريخ أمريكا ، بقيمة سوقية بلغت 104 مليار دولار .

واليوم حين يحصل فيسبوك التي تديرها شركة ( ميتا) على أرباح تزيد على 46 مليار دولار خلال عام 2018 ووصول قيمته السوقية إلى ترليون دولار ، فإن ميتا انغمست في مخاطرة غير محمودة كلفتها خسائر فادحة زحزحتها من المرتبة السادسة عالميا إلى ما بعد المرتبة العشرين .

لكن لا يزال الفيس يواصل الإستئساد بالإغراء والترغيب . إنه ليس مجرد دب صغير ، بل تنين عظيم يتناسل كلما أرخى الليل ثيابه ، تسألني كيف ؟.

ففي إبريل 2012 استحوذ فيسبوك على انستجرام بصفقة بلغت مليار دولار ، وفي أغسطس 2013 أسس بالتعاون مع 6 شركات اتصالات متعددة الجنسيات موقع ( انترنت أورغ) بهدف الوصول لتقديم خدمات رخيصة لكن الموقع وُوجه بمعارضة شديدة توجتها الهند بحظره ، وفي فبراير 2019 م استحوذ فيسبوك على ( واتس آب) بصفقة بلغت 19 مليار .

يعتمد ( تشكيل السمعة) أوالحصول على علامة تجارية مميزة ومتفق حولها ، على الإقبال عليها إضافة لجودتها والمنافع التي تبذلها للدنيا ، ووفقا لهذا التصور فقد أُجري استفتاء سنة 2018م حازت فيه صفحة فيسبوك نفسها المرتبة الأولى عالميا بعدد 183مليون متابع ، تلتها صفحة اللاعب ( رونالدو) بعدد 164مليون متابع .

لكن التهمة ( بعدم المصداقية ) شكلت حضورا قويا هنا ، حيث أثبتت دراسة أن هناك شركات تتاجر في ( بيع الإعجابات المزيفة) تستفيد منها الجهات الراغبة ، سيما أن ما يصل إلى 170 مليون حساب وهمي تم رصدها خلال العام 2015م .

وهنا تقفز للذهن الفضيحة المدوية التي وقعت فيها شركة ( كامبريدج اناليتيكا) التي (نجحت) في الحصول على بيانات 50 مليون متصفح لفيسبوك ، منحت الفوز للرئيس ترامب بينما كانت التوقعات تشير إلى ترجيح كفة منافسته هيلاري كلينتون .

وحين يصل سكان هذه (الدولة ) إلى أكثر من 2 مليار ، يبدو مهماً للغاية معرفة مدى الاستحواذ الذي يملكه المتنفذون فيها ، حين يبددون طاقات وأوقات ويلهبون المشاعر ويعظمون أرباحهم .

حينها يتطلب الأمر تحرير القول حول صدقية هذه المنصة وقدرتها على تأسيس عالم أكثر تواصلا ، لا أوسع تنافرا ، أكثر ثقافة ، لا أحط قدرا ، كما في وصف للمفكر الإيطالي المعروف أمبرتو إيكو حين قال : تويتر وفيسبوك، وغيرهما، مواقع أصبحت تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا في أي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء .

بيد أن ما يمكن عدٌه أوجع رثاء في وداع الفيس وذبحه في وجدان أكثر رواده تعلقا وحميمية ، هو ما جاء بقلم الباحثة في مجال العقائد وعلم الكلام الجزائرية خولة جهاد دمبري ، فبعد إعترافها بأن الفيس قد كسرها ثم صقلها ، وأنه غارها وحائط مبكاها وفيه تطورت وتدهورت ، رقٌت وقست .

قررت مغادرة الموقع فجأة لأنه لم يعد بمقدورها المواصلة ، لتبدأ رحلة جديدة ( بخولة أخرى) في عالم التدوين الرصين فالغلطة هناك بعشرة ، وذلك بعد أن حاصرتها حدود ضيقة من الكتابة والقراءة ، ملفقة وسطحية ، يمارسها كل من هب ودب ، على طريقة ( الفاست فود) وختمت خولة :
وداعا أيها الفيس.. وداعا للرداءة .. إنه زمن الرداءة عند الكثرة .. والكثرة تفسد أيا كان نوعها.
مرحبا بعالم المدونات .. مرحبا بالريادة ، فإنه حين يقرأ لك شخص واحد بعقل ناقد وذهن متوقد خير من جمهورلا يفقه من القراءة إلا متعة لحظات.

            ودمتم

About Author

 للإنضمام الي إحدي مجموعاتنا علي الواتس اب اضغط علي الروابط

صحيفة السياسي (1)

صحيفة السياسي (2)

صحيفة السياسي (3)

صحيفة السياسي (4)

صحيفة السياسي (5)