ابراهيم عدلان
كشفت صحيفة واشنطن بوست في تقرير لها بتاريخ 29 سبتمبر 2025 عن واقع مقلق في السودان، يتمثل في انتشار صواريخ أرض–جو محمولة (MANPADS)، وأنظمة دفاع جوي صينية الصنع من طراز FK-2000، إلى جانب الطائرات المسيّرة الانتحارية. هذه التطورات لا تقف عند حدود الصراع العسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تتجاوزها لتضع سلامة الحركة الجوية المدنية والمطارات السودانية أمام تهديد مباشر غير مسبوق.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل يكفي فتح المجال الجوي وإعادة تشغيل المطارات الكبرى كدليل على تعافي البلاد، من دون وجود ضمانات كافية لسلامة الطيران المدني؟
مخاطر أمنية مباشرة
تاريخ الطيران الدولي يبرهن على أن أي تهديد غير محسوب – سواء من الصواريخ المحمولة على الكتف أو الطائرات المسيّرة – قد يؤدي إلى كوارث مأساوية. وفي حالة السودان، فإن استمرار وجود هذه المنظومات في بيئة نزاع مفتوح يجعل المجال الجوي عرضة لاحتمالات خطيرة لا يمكن التقليل منها أو تجاهلها.
الحاجة إلى إجراءات حمائية
يرى خبراء الطيران أن إعادة فتح مطار الخرطوم أو غيره من المطارات الرئيسة ينبغي أن ترتبط بخطة حماية متكاملة تشمل:
- مراقبة المجال الجوي المنخفض وكشف التهديدات غير التقليدية.
- وضع منظومة فعّالة للتحسب للهجمات السيبرانية التي قد تستهدف أنظمة الملاحة والمطارات.
- الاستعانة بخبرات وتقنيات دولية متخصصة لضمان الموثوقية والشفافية أمام المجتمع الدولي.
شراكات دولية ضرورية
لا يكفي الاعتماد على القدرات المحلية في هذه المرحلة، بل من الضروري التعاقد مع شركات ومنصات دولية ذات خبرة. من بين الأسماء المطروحة شركات مثل Dedrone وFortem Technologies المتخصصة في كشف واعتراض الطائرات المسيّرة، وSkySafe التي تقدم أنظمة رصد وتحليل للمسيّرات غير المصرّح بها. أما في مجال الأمن السيبراني للطيران، فتبرز Cyviation، بينما تقدم شركات استشارية مثل CW-ASC وAGSC خبرات عملية في سياسات الأمن الجوي والتدريب.
دور المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO)
تلعب منظمة الطيران المدني الدولي دورًا محوريًا في ترسيخ معايير السلامة الجوية على مستوى العالم. ومن مهامها الأساسية تقديم الدعم الفني للدول الخارجة من النزاعات، وتطوير قدراتها الرقابية، والتأكد من توافق عملياتها مع المعايير الدولية. في الحالة السودانية، يمكن للمنظمة أن تسهم في:
- تقييم مستوى المخاطر في الأجواء السودانية عبر بعثات فنية مستقلة.
- تقديم المشورة في صياغة سياسات السلامة الجوية بعد الحرب.
- دعم برامج تدريب الكوادر الوطنية في مجالات المراقبة الجوية والأمن السيبراني وحماية المطارات.
وجود المنظمة كطرف داعم وراصد يعزز الثقة الدولية، ويمنع السودان من العزلة التي قد تترتب على الشكوك في سلامة أجوائه.
خطورة التشغيل بمبدأ (Operates Own Risk)
في غياب ضمانات كافية، قد تلجأ بعض الدول إلى إعادة فتح المجال الجوي على أساس أن شركات الطيران الأجنبية تتحمل المسؤولية الكاملة عن التشغيل في أجوائها. هذا المبدأ المعروف بـ (Operates Own Risk) يحمل مخاطر كبيرة، إذ يعفي الدولة من التزاماتها الجوهرية في تأمين الأجواء، ويلقي بالعبء على شركات الطيران، وهو ما قد يُعرض المدنيين والمجال الجوي السوداني لسمعة سلبية على المدى الطويل.
فالسلامة في الطيران مسؤولية سيادية لا يمكن تفويضها أو التنازل عنها، والتشغيل وفق هذا المبدأ يُعد اعترافًا ضمنيًا بأن الأجواء غير آمنة.
رسائل طمأنة للمجتمع الدولي
إلى جانب الإجراءات الفنية، يُتوقع أن تصدر سلطة الطيران المدني السودانية رسائل واضحة للمجتمع الدولي، عبر تقارير تقييم مخاطر وشهادات اعتماد من جهات محايدة. مثل هذه الرسائل تُعد شرطًا ضروريًا لتطمين المنظمات الدولية مثل منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والأمم المتحدة، وكذلك شركات الطيران العالمية، بأن الأجواء السودانية باتت آمنة للتشغيل المدني.
خاتمة
إن فتح المطارات والمجال الجوي دون مظلة حمائية واضحة سيكون بمثابة مجازفة محفوفة بالمخاطر. المطلوب هو الجمع بين الطموح في استعادة النشاط الجوي والالتزام الصارم بمعايير السلامة الدولية. عندها فقط يمكن أن يشكل فتح المطارات السودانية دليلاً حقيقيًا على التعافي، لا مجرد خطوة رمزية محفوفة بالمخاطر.
المدير السابق لسلطة الطيران المدني
About Author
للإنضمام الي إحدي مجموعاتنا علي الواتس اب اضغط علي الروابط