الخميس. فبراير 2nd, 2023

وغدا تسافر والأماني حولنا.. حيرى تذوب والشوق في أعماقنا يدمي.. جوانحنا ويعصف بالقلوب

مسافات..جدية عثمان

أن تقلع بك الطائرة ليلا تغمض عينيك في لندن ثم تفتحهما في القاهرة يصيبك إحساس عظيم بالنشوة لأنك خلفت البرد وراءك… هبطت بنا الطائرة بسلام ودعنا طاقم الضيافة متمنين لنا إقامة سعيدة في أرض الكنانة وعاصمتها … لذا بدأتُ في تصفح خريطة القاهرة و شوارعها وأزقتها وأحيائها وحاراتها ومقاهيها و قبة الحسين و المساجد التي تزدحم بالبشر…و البنايات القديمة و الملابس المنشورة على الشرفات… كل هذه الأشياء مجتمعة جعلتني أسرح بعيدا وكأنني في عالم روايات نجيب محفوظ الذي حدثنا كثيرا عن القاهرة القديمة… تلك الصور التي حفرها في مخيلتي جعلتني قريبة وجدانيا من المدينة على الرغم من زياراتي المتباعدة لها .. استقبلتني القاهرة بدفء شديد مقارنة بلندن التي تركت الناس فيها يرتجفون من قسوة بردها… الدفء هنا في كل مكان في الأصوات وفي الجو و في سمرة الوجوه.

تركت العنان لنفسي استمتع بمعالم الطريق طوال الدرب أستمع للموسيقى التي لا تنقطع و التي فُرضت علي قسرًا و سط ضجيج أبواق السيارات و زحمة المارة٫ مررت عبر احياء معروفة أشهرتها الدراما المصرية من بينها حي الكيت كات الشعبي الذي عرفناه و عشنا إيقاعه وتفاصيله مع الفنان الراحل محمود عبد الغزيز في الفيلم الذائع الصيت الذي اسم الحي وخلده( الكيت كات) …واصلت طريقي إلى وسط البلد حيث الباعة يتحاورون و يتجادلون باصوات مرتفعة.. اشتريت بعض الأشياء..تريد البائعة أن تعرف كل شيء عني تسالني بفضول عن اسمي و عملي و مهنتي..عن عمري وكم عندي من الاولاد..و من أين جئت و إلى أين انا ذاهبة؟ وكم سأقضي من الزمن هنا ؟ تريد أن تعرف الجواب في وقت واحد وهذا كله بينما هي تبيعني الأغراض وهي توالي طرح هذه الأسئلة المزعجة. كان حديثها لا يخلو من دعابة تجعلني أضحك ملئ فيهي !!!و بجوارها شاب يقدم لي النصح و الإرشاد دون أن أطلب منه ذلك ذألك آملًا في الحصول على بكشيش منى و لسان حالي يقول: يا ود يا سمارة كفاية شطارة..

وبالطبع هذا يعكس فضول الشخصية المصرية التي تميل للفرح والمرح وخفة الدم وتأكيد المقولة المصرية الشهيرة ” الرزق يحب الخفية” لكن من ناحية أخرى هذه المواقف تعكس أن لكل شعب من شعوب الدنيا طباعه و عاداته.. وقبل أن أجد متسعًا من الوقت للتطلع في الوجوه والأسواق والمشاهد الأخرى، نبهتني عقارب الساعة إن وقت الرحيل قد أزف ،فأنا في مهمة عمل.. استقليت سيارة أجرة، لكن ما لفت نظري هذه المرة الأعداد المهولة من أبنا بلدي الذين كنت اراهم على جانبي الطريق.. بالطبع تختلف اسباب الإقامة في مصر: فمنهم من قدم إليها جلبًا للعلاج، أو التعليم أو بحثًا عن عمل و خلافه … في محصلة الأمر هذه الاعداد المهولة تشير إلى أن السودانيين أصبحوا في حالة يأس متزايد إزاء الوضع في بلادهم، فشكلت لهم الهجرة شمالا طوق نجاة .. وإن أشبه البحث عن مستقبل أفضل في مصر كالبحث عن إبرة في كومة قش حيث أن الوضع الاقتصادي فيها ليس في أفضل حالاته الان حتى للمصريين انفسهم.. الا أن ديمومة الكهرباء وتوفر العلاج واستقرار التعليم جعل بلادهم قبلة لعدد كبير من قاطني جنوبي الوادي.
وكما قال خالد الذكر إدريس جماع:
النيل من نشوة الصهباء سلسلُه وساكنو النيل سمارٌ وندمانُ

مسافات. جدية عثمان
٨ يناير ٢٠٢٣القاهرة