الخميس. فبراير 9th, 2023

الخرطوم إلى زوال خلال أربع أو خمس سنوات

1 - الخرطوم إلى زوال خلال أربع أو خمس سنوات


كوتيشنات

يظل التحذير الذي أطلقه الأستاذ الجامعي وطلب حجب اسمه

(الخرطوم إلى زوال خلال أربع أو خمس سنوات حال عدم معالجة النزّ)

لم تعرف مدينة عطبرة ظاهرة النزّ طوال عمرها الذي بلغ الآن حوالي 125عاماً، إلا في السنوات الخمس الأخيرة، وهنا لابد من طرح السؤال المهم، لماذا الآن؟

قائمة بأهم المناطق المتأثرة بظاهرة ارتفاع منسوب المياه السطحية بالعاصمة المثلثة

الخرطوم نمرة واحد

الخرطوم نمرة 2

السجانة

أحياء الخرطوم الشرقية الطائف والرياض والمعمورة يظهر ذلك في نفق عفراء ويتوقع أن يظهر في هذه الأحياء قريباً. السبب الراجح منظومة الصرف الصحي الفردية التي تعتمد على حقن المياه داخل آبار سطحية.

أم درمان

كل الأحياء القديمة أبو روف بيت المال الموردة وبانت شرق.. العرضة، الملازمين، سجن أم درمان منطقة منزل الزعيم الأزهري، شارع عبد الله بك خليل، أحياء السوق والبوستة، العرضة جنوب، حي الضباط، الموردة غرب (منطقة شعيب) حي أبو كدوك، المنطقة حول مسجد الشيخ اسحق، قشلاق أبو كدوك الدوحة مربع 31، المهندسين، خور أبو عنجة ومنطقة مجمع الجوازات الجديد.

الخرطوم بحري

شمبات الحلة، الشعبية جنوب، الديوم، ويتوقع أن تتعرَّض كل الأحياء القديمة لنفس المشكلة مع ازدياد تحول المنازل الأرضية لمباني متعددة الطوابق تعمل بنظام الصرف الصحي الفردي وحقن المياه في آبار سطحية.

تحقيق: علي ميرغني

أخيراً أعلنت هيئة الأبحاث الجيولوجية تشكيل لجنتين لدراسة ظاهرة زيادة منسوب المياه السطحية (النزّ) في العاصمة المثلثة ومدينة عطبرة. ومنذ أكثر من سبع سنوات، تأثر المواطن في عدة مدن ومناطق في السودان بظاهرة النزّ، لكنها كانت بصورة كبيرة مرتبطة بالمناطق الزراعية والقرى الكبيرة أو المدن الصغيرة القريبة منها جغرافياً.

ففي العام 2014 اشتكى مواطنو منطقة البرقيق شمال مدينة دنقلا من تصاعد ظاهرة النزّ وأنها قضت على كثير من أشجار النخيل وهدَّمت بعض البيوت. حينها تدخلت بعض الجهات البحثية وأجرت دراسة خلصت للأسباب والحلول المقترحة.

وفي نفس العام تعرَّضت مدينة أبو حمد لظاهرة النزّ لدرجة أن ارتفاع المياه السطحية أدى لتجمع المياه على سطح الأرض وتقسيم المدينة لقسمين بسبب المياه التي تحوَّلت لخور دائم الجريان.

ولم تسلم معظم المدن القريبة من النيل وأفرعه من ظاهرة النزّ. وهنا يجب ذكر أن هناك فرق علمي بين النزّ وارتفاع منسوب المياه السطحية. النزّ ظاهرة ارتبطت بوجود المشاريع الزراعية وتسرُّب المياه من الترع، وعادة تحدث في أراضي ذات مسامية عالية (رملية). بينما ارتفاع منسوب المياه السطحية يرتبط بالنشاط السكاني خاصة المناطق المكتظة بالسكان وبها توسع رأسي في ظل عدم وجود شبكة صرف صحي، وتكون المجتمعات السكانية تعتمد على نظام السايفونات الفردية والآبار.

عطبرة وغول النزّ

خلال الخمس سنوات، الماضية، بدأت ظاهرة النزّ في مدينة عطبرة. وأصبح أكثر الأحياء تأثراً هو حي (الحصايا). ولكن قبل التوغل في ملف النزّ في عطبرة، ربما من الأفضل التعريف ببعض العوامل الجغرافية والتاريخ القريب للمدينة التي نشأت مع دخول

القوات الإنجليزية التي دحرت قوات المهدية.أقامت مدينة عطبرة في قرية الداخلة التي اختاروها لتصبح موقعاً حربياً لقواتهم بعد استعادة استعمار مدينتي أبو حمد وبربر في سنة 1898م، لموقعها الذي يحيط به نهري النيل وعطبرة من جهة الجنوب والغرب.

ولم تعرف مدينة عطبرة ظاهرة النزّ طوال عمرها الذي بلغ الآن حوالي 125 عاماً، إلا في السنوات الخمس الأخيرة. وهنا لابد من طرح السؤال المهم، لماذا الآن؟

يقول خبراء الجيولوجيا وعلوم التربة إنّ الإجابة العلمية تتطلب دراسة علمية متكاملة. وهي وجهة نظر بروفيسور تاج السر، أستاذ علوم التربة والباحث بالبحوث الزراعية المتقاعد، ومن حسن الصدف أنه من سكان عطبرة نفسها.

وحالياً قامت هيئة البحوث الجيولوجية بتشكيل لجنة لدراسة ظاهرة النزّ وارتفاع منسوب المياه السطحية في مدينة عطبرة.

لكن هذا لا يمنع محاولة إيجاد فرضيات أولية قبل إكمال الدراسات العلمية التي ستقوم بها هذه اللجنة.

المشاريع الزراعية.. المتهم الأول

بالرجوع للسؤال أعلاه، لماذا ظهور النزّ وارتفاع منسوب المياه السطحية بعد أكثر من قرن من قيام مدينة عطبرة؟ المنطق يفترض بحث المتغيِّرات أو العوامل الجديدة التي طرأت على المدينة وما حولها.

أو العوامل التي عادة تؤدي لظهور النزّ وارتفاع منسوب المياه السطحية، وهي عدة عوامل أهمها عوامل من صنع الإنسان. الأول مرتبط بارتفاع معدَّلات ضخ المياه خلال آبار الصرف الصحي نتيجة لارتفاع كثافة السكان في المدينة، بالطبع المقصود هنا نظام الصرف الصحي الفردي الذي يعتمد على كل بناية تقوم بإنشاء سايفون يضخ كميات من المياه العادمة إلى باطن الأرض بالتالي تتجمَّع هذه المياه وتعمل على رفع منسوب المياه السطحية.

والعامل الآخر هو تسرُّب المياه من ترع المشاريع الزراعية خاصة في المناطق ذات التربة عالية المسامية. وربما هذا السبب الأرجح لجهة قيام عدة مشاريع زراعية بالقرب من مدينة عطبرة. حيث يوجد مشروع الأمن الغذائي شمال المدينة مباشرة وتمتد ترعة لعدة كيلومترات شرق المدينة. يضاف لها مشروع آخر. فضلاً عن عشرات المشاريع التي قامت شرق المدينة وتروى من نهر عطبرة. كل هذه المشاريع لها ترع تمتد عشرات الكيلومترات في أرض أقرب للرملية وذات مسامية عالية. لذلك المتوقع تسرُّب كميات كبيرة من المياه تحت سطح الأرض وحسب خطوط الكنتور للمنطقة نجدها كلها تتجه من الشرق نحو الغرب، أي من هذه المشاريع الزراعية إلى مدينة عطبرة.

هذه الفرضية دعمها أحد مهندسي الجيولوجيا وكشف عن أن تركيبة التربة في مدينة عطبرة تصل لعمق ثلاثة أمتار فقط، حيث توجد تحتها طبقة صخرية تمنع تسرب المياه إلى تحتها. بالتالي لا تجد المياه المتسرِّبة من ترع هذه المشاريع الزراعية إلا أن ترتفع لسطح الأرض مكوَّنة النزّ وارتفاع منسوب المياه الجوفية.

بالطبع هناك عوامل تحد المناطق الأكثر تأثراً بظاهرة النزّ في أي مكان. لكن في مدينة عطبرة كان حي (الحصايا) هو الأكثر تأثراً بها، بل وصل الأمر في أحد ميادين كرة القدم بالقرب من المدرسة المصرية أن سالت المياه على سطح الأرض. وبحسب إفادات أحد مواطني الحيّ، انخفضت أسعار المنازل بحي الحصايا بسبب تهديد النزّ للمباني بالانهيار.

منذ قبل ثلاث سنوات، شعر مواطنو عطبرة بظاهرة النزّ، وأصبحت همّ تتحدث عنه مجالس المدينة، ثم تم التطرق له وسط الأكاديميين، لكنها كلها ظلت محاولات عابها نقص التمويل والدعم الحكومي.

وفي أغسطس الماضي، زرت مدينة عطبرة لثلاثة أيام، سكنت فيها في فندق في منطقة السودنة القريبة من النيل، لاحظت أن مياه النزّ بدأت تظهر على جدران المنازل. هذا يعني أن مدينة عطبرها كلها تقريباً تحت رحمة مياه النزّ.

لكن هناك عامل آخر سيرفع كمية المياه السطحية في عطبرة بمتوالية هندسية وهو البدء في تشغيل مشروع “زادي ون” الذي تقع ترعته الرئيسة شمال عطبرة وتمتد لمسافة عشرات الكيلومترات، لتروي أراضي المشروع الذي يمتد -أيضاً- شرقي عطبرة بالتالي رفع كميات المياه التي ستتسرب تحت مدينة عطبرة.

يشار إلى أن مساحة مشروع “زادي” بمراحله المتعددة تصل لأكثر من مليوني فدان، تروى من النيل بواسطة ستة وثلاثين وحدة ري، وتمتد الترعة عشرات الكيلومترات، شمال وشرق مدينة عطبرة.

ملاحظة مهمة أنّ كل المناطق التي يتهددها ظاهرة النزّ يربطها عاملان مشتركان، الأول أن تكون بالقرب من مشروع زراعي خاصة التي زاد عمرها على العشرين عاماً، بعضهم يقول إن حتى منطقة كنانة تتعرض -حالياً- لظاهرة النزّ. ويمكن هنا أن نضرب عدة أمثلة تتعرض لخطر النزّ مثلاً، مناطق البرقيق وكرمة ونوري والمناطق حول مشروع اللا بالولاية الشمالية، ومدينة أبو حمد وعطبرة بولاية نهر النيل.

العامل الآخر هو ارتفاع معدلات المياه التي يتم حقنها في الأرض في شكل مياه عادمة ناتجة من الصرف الصحي، وهذا العامل يرتبط بصورة ملحوظة بالمناطق السكنية التي بها كثافة سكانية عالية ومباني من عدة طوابق بكل مبنى عشرات الشقق السكنية. وهذا يظهر في مناطق أمدرمان القديمة مثل: الموردة وبانت غرب والأحياء الجديدة في الخرطوم شرق مثل الطائف الرياض والمعمورة.

وهنا يتم حقن المياه بصورة مستمرة وتيرة تصاعدية في تكوين جيولوجي به صخور صماء على أعماق متفاوتة. حتى تصل معدلات المياه التي يتم ضخها لكميات أعلى من طاقة الطبقات السفلى لتمريرها، فيكون السبيل الوحيد لهذه المياه أن ترتفع إلى أعلى لتظهر في شكل نزّ قد يصل لمرحلة سيلان المياه وتجمعها على سطح الأرض.

نوري وأخواتها

الولاية الشمالية تأثرت بالنزّ أولاً. في الفترة بين 2010و2014 تأثرت منطقتي البرقيق وكرمة بظاهرة النزّ التي قضت على عديد كبير من المنازل في القرى الموجودة داخل الحقول. بل حتى أشجار النخيل ماتت بسبب ارتفاع المياه الجوفية التي بالتالي ترفع معها الأملاح من الأعماق مما يؤدي لموت النباتات أو حدوث تعفن لجذورها والنتيجة -أيضاً- موتها حتى ولو كانت أشجار نخيل عمرها عشرات السنين.

وبحسب مواطني منطقة كرمة ارتبطت ظاهرة النزّ بكهربة المشروع الزراعي الزيادة الكبيرة في معدلات تشغيل وحدات الريّ وامتلأ الترع في أغلب الأوقات بغير حاجة للريّ.

وفي العام 2019 تعرضت منطقة نوري لظاهرة النزّ وبالفعل تهدت عدة بيوت وماتت عشرات أشجار النخيل المعمرة. وفي العام 2020 زرت مدينة مروي وشاهدت المناطق التي تأثرت بالنزّ وتهدمت بيوتها ومات نخيلها. وكما هو معلوم يوجد بمنطقة نوري واحد من اقدم المشاريع الزراعية التي قامت في عهد الأنجليز. وربما هنا تأكيد على ان المشاريع الزراعية الكبيرة والتي فاق عمرها العشرين سنة تمثل أحد أهم عوامل النزّ في المناطق حولها.

أبو حمد والنزّ الكبير

تقع مدينة أبو حمد في منطقة صخرية، ولم تعرف ظاهرة النزّ إلا عقب قيام مشاريع مهجري سد مروي في كحيلة شرق الذي يقع للشمال الشرقي من المدينة فيما تقع بيارة المشروع للجنوب من أبو حمد. وتمر ترعة المشروع من الجنوب إلى شرق وشمال أبو حمد. ولأنّ المنطقة صخرية اعترض مسار الترعة الرئيسة منطقة صخرية قامت الجهات المنفذة لترعة بشقها باستخدام المتفجرات، ونتج عن ذلك تشقق قاع الترعة وحدوث شقوق كثيرة فيه. بالتالي تسربت كميات كبيرة من المياه من الترعة نحو مدينة أبو حمد وتطور النزّ ليتحول لمياه سطحية سالت حتى أحدثت خوراً صغيراً قطع الطريق بين المدينة القديمة وامتداداتها الجديدة. شاهدت ذلك في العام 2014. لكن الآن وبعد الحديث عن إنشاء مشروع زراعي كبير في المنطقة تبلغ مساحته أكثر من 500 ألف فدان إضافة لإعادة تأهيل وتشغيل مشروع كحيلة شرق فالمتوقع أن ترتفع معدلات المياه السطحية بوتيرة عالية ويرتفع تأثيرها السلبي على مدينة أبو حمد.

الحلول المقترحة

المؤكد أن إجراء دراسات علمية دقيقة لظاهرة النزّ في هذه المناطق سيحدد أسبابها بالتالي يسهل التوصل لحلول.

ليس استباقاً للدراسات التي ستجريها لجان هيئة البحوث الجيولوجية، لكن الراجح أن أسباب النزّ وارتفاع المياه السطحية هما عاملان، الأول مرتبط بالمشاريع الزراعية وارتفاع كميات المياه المتسربة للطبقة السطحية بكميات تفوق سعة تصريف هذه الطبقة. والثاني هو ارتفاع معدَّلات حقن المياه العادمة من منظومات الصرف الصحي المناطق ذات الكثافة السكانية عالية -أيضاً- بكميات أكبر من قدرة الطبقات السطحية على تسريبها.

ففي المناطق المتأثرة بالمشاريع الزراعية، نذكر هنا المعالجة التي تمت لمنطقة البرقيق، حيث أجريت دراسة علمية خلصت إلى أن السبب هو كميات المياه المستخدمة في الري من النيل بأكثر من حاجة الحواشات، وتمت التوصية بإعادة سحب المياه باستخدام الآبار السطحية (المتر ـ جمع مترة وهي بئر سطحية يتم استخدامها لري الزراعة). وفعلاً انتهى النزّ وعادت الحياة لطبيعتها في المنطقة. والدراسة أجراها كرسي اليونسكو للمياه في إحدى الجامعات السودانية.

الحل الآخر المطروح لحقن المياه العادمة من الصرف الصحي يتمثل في إنشاء منظومة صرف صحي مركزية بدلاً عن المنظومة الفردية الحالية التي تعتمد على آبار السايفون الفردية.

لكن الملاحظ أن هذا الحل يتطلب أموالاً ضخمة وقد لا يكون ذلك أولوية للحكومة القادمة او حتى لعدد من السنوات المقبلة. يضاف لها عرقلة الحياة في العاصمة نتيجة الأعمال المدنية المرتبطة بهذه المنظومة وحتمية إغلاق مستمر للكثير من الشوارع المهمة في العاصمة التي أصلاً تعاني من تكدس مروري.

ورغم هذه التحديات لإنشاء منظومة صرف صحي مركزية، لكن يظل التحذير الذي أطلقه الأستاذ الجامعي وطلب حجب اسمه

(الخرطوم إلى زوال خلال أربع أو خمس سنوات حال عدم معالجة النزّ).

 



Source link