الخميس. يونيو 20th, 2024

يسألونك عن الحرب – 2 –

فتح الرحمن محمد يوسف

سآتي في مقال لاحق آخر على بنية الجيش وقوميته التاريخية، غير أننا حاليا نحتاج أن توضح ونفهم قصة الفرية السياسية القحتية الكبرى على الجيش بانه جيش كيزان والحرب حرب كيزان، وهذا يحتاج إلى سلسلة مقالات لاحقة بمشيئة الله، ليس دفاعا عن الكيزان وعن الفلول بقدر ما هو ضرورة التنبه لخطورة ترسيخ هذه الفرضية في الذهنية العسكرية والشخصية السودانية العامة، لخطورتها على الأمن السوداني القومي على المديين المتوسط والبعيد وهو يتعرض إلى مؤامرات تسعى إلى تفتيت السودان ونهب ثرواته.
الآن وقبل كل شئ، دعونا نتفق بأن لا نحاكم الرعيل الأول من قادة العمل الوطني في السودان بجريرة أفعال أبناءهم واحفادهم وأحفاد أولادهم، لأن المثل السوداني الشائع (النار تلد الرماد)، إذ لدي فيهم حسن ظن لا تحده حدود، لأنهم كانوا صادقين وطنيين أصحاب نخوة ومروءة وشهامة، أثمرت عن الانجازات التي حققها السودان حينما كان كثير من أنحاء العالم ترزح في الجهل والتخلف والرجعية.
وقبل أن أخوض بالتفصيل عن التأكيد على قومية الجيش سآتي على ذكر المؤتمر الوطني وعلى الأخوان المسلمين ولكن ليس من باب المدح أو الذمّ أو التمجيد أو تبرئتهم من الفساد، بقدر ما تقتضيه ضرورة تبيان الحقائق فقط، حتى لا يسارع الذين اعتادوا على الحكم المسبق بالتصنيف للتمويه وتضليل الرأي العام.
أؤمن بأن نزاهة المعلومة والحقيقة مرة غير أنه لابد من القبول بها وتحملها بشجاعة إذا لم تكن في الصالح ولم تكن بالإيجابية التي يسعى لها كل ذي مصلحة.
ومع علمي أن هناك من يحاول جاهدا، أن يقدح في نزاهة ورجاحة عقول صناع 56 واستقلال السودان، غير أنني أرجع ذلك لفشلهم في إدارة الأمور، ولذلك فإن تذمر جيل اليوم ممن يكيلون اللوم على الرعيل الأول، بأنهم سبب تخلف السودان ونكباته، في وقت صنعوا المستحيل من لا شئ، ولم يملكوا مفاتيح وأدوات ومسهلات العمل التي فشل في استثمارها جيل اليوم، ولكن سأوجل الحديث عن جيل 56 وما قبله وما بعده لمقال لاحق، سأركز في هذا المقال على قومية الجيش السوداني ستظل الأساس المتين إلى يوم الدين ولو كره المرجفون.
السؤال الكبير الذي نحتاج إلى تأكيد الإجابة عليه .. هل الجيش السوداني الذي يحارب الآن مليشيا الدعم السريع، هو جيش الكيزان والفلول والمؤتمر الوطني – وللعلم فإن المؤتمر الوطني ليس كل أعضائه من الكيزان والأخوان المسلمين إذ هم يمثلون فقط 13 في المائة ولكنهم أغلبهم قادة لمستويات من العمل السياسي في حدود الممكن ولابد لكل مراقب أو محايد أن يدرك أن المؤتمر الوطني حزب شامل واحتضن عددا كبيرا من ممن ينتسبون للأحزاب التقليدية والطائفية واليسارية والدينية واليمينية والجمهورية والبعثية والناصرية حتى حين سقوطه حكومته في ثورة ديسمبر؟.
وقبل الوصول إلى الإجابة الأكيدة على السؤال المشروع، لابد من تأكيد أن غالبية منتسبي الأحزاب التي اختطفت ثورة (الشباب) أي ثورة ديسمبر من الشباب الثائرين على الغلاء وارتفاع الأسعار بليل كانوا بشكل أو بآخر في أحضان المؤتمر الوطني المحلول كانوا من المنتفعين والنفعيين، نهلوا من نعمائه السياسية والاقتصادية إضافة الى (المال والبنون وزينة الحياة الدنيا)، بمعنى آخر هل كل جنود قوات الشعب المسلحة السودانية تم تسريحهم في عهد الإنقاذ واستبدلوا بفقط الكيزان والفلول والمؤتمر الوطني؟؟!!.
فإذا كان الأمر كذلك، وافترضنا أن كل أفراد الجيش كيزان ومؤتمر وطني، لماذا سمح بإسقاط حكومته ورئيسها، ولماذا انحاز إلى الشعب وانتصر له في ثورة ديسمبر، كما كان يفعل دوما عند كل الثورات الشعبية التي أسقطت حكومات سودانية شمولية سابقة؟ الإجابة البديهية ليس الجيش جيش الكيزان، فالقاعدة الرياضية تقول: (إن الكثرة غلبت الشجاعة)؟؟.
إن الحقيقة التاريخية للجيش السوداني، مع وطنيته المعتقة بالحب والوفاء لبلاده، غير أنه كان مستغلا، إذ كان ضحية الأحزاب التي تحاول أن تستخدمه للإنقضاض على السلطة في البلاد منذ استقلاله في 56 وحتى الآن، بدعوى إقامة حكومة ديمقراطية – وسآتي على ذلك بالتفصيل لاحقا – .
هناك حديث حول عدد كبير من الانقلابات العسكرية التي حدثت في السودان منها 32 انقلابا فاشلا، وشاركت في كل هذه الانقلابات العسكرية الفاشلة فضلا عن الناجحة كل الأحزاب التي حكمت السودان وحتى غير تلك التي لم تحكم حتى الآن وما زالت تسعى لتحقيق ذلك بدليل أن الانقلابات لم تتوقف حتى خلال حكومة الإنقاذ قبل أن تتحول إلى حكومة المؤتمر الوطني ومن بينها انقلاب البعثيين في 28 رمضان، وحتى بعد ثورة ديسمبر هناك انقلابات فاشلة ليست للكيزان أو الفلول. إذن ما زال هناك قادة وضباط وضباط صف وجنود يتأثرون بأوامر حزبية معارضة للمؤتمر الوطني لينفذوا انقلاب ربما يفشل لأي سبب أو آخر.
لذلك لم تكن هذه الانقلابات العسكرية بفعل محض من الجيش بقدر ما كانت بإيعاز من تلك الأحزاب بالضرورة، فهل نستطيع القول بأن الانقلابات التي نجحت وحكمت السودان كإنقلاب إبراهيم عبود أو جعفر نميري أو عمر البشير استطاعت أن تستبدل كل أفراد الجيش الذين لا ينتمون إلى الحزب الحاكم، بآخرين ينتمون إلى الحزب الحاكم فقط؟.
ربما يأتي أحدهم ليقول إن الإنقاذ حكمت 30 عاما فهي الأكثر حظا في أن تستبدل كل أفراد الجيش بأفراد من أعضاء الحوب الحاكم، غير أن الحقيقة ليس عبارة(الجيش جيش الكيزان) عبارة دقيقة، ولكن بطبيعة الحال، فإن حكومة الإنقاذ استفادت من بسط سلطتها وحاولت ما أمكن أن تتحايل على كل من تتثبت منه أنه ينتمي لحزب معارض ويسعى للنيل منها، للتخلص منه بتحويله إلى التقاعد أو تعرضه للمحاكمة إذا ثبت تورطه في إنقلاب ضدها – وأنا هنا لا أتحدث عن شرعية التصفية خارج القانون وإن كان ذلك حدث ويحدث في مختلف الانقلابات والحكومات الشمولية – أنا هنا أتحدث عن حقائق واقعية تحدث .
أجزم أن الإنقاذ لم يكن بمقدورها أن تستبدل جيش السودان بجيش من الكيزان، لأنها تعلم أن الجيش يحتضن كل حاملي الانتماءات السياسية والتيارية، ربما تحتاج إلى التصالح مع بعضها وربما تتخلص من البعض الآخر في الحدود الممكنة، ولو كان بمقدر الإنقاذ أن تفعل ذلك لما احتاجت إلى تأسيس الدفاع الشعبي الذي كان هو حاضنة أساسية للإسلاميين الذين كانوا يحارب جنبا إلى جنب مع الجيش في حرب جنوب السودان قبل الإنفصال .
فإن كان لحكومة الإنقاذ أن تطلق على منتسبي الدفاع الشعبي عبارة (المجاهدين) فلن تستطيع أن ترغم الجيش بأن تسميهم بالمجاهدين ولكن يمكنها أن تسميهم بالمقاتلين أو الفدائيين الوطنيين، وتبقى عبارة (مجاهد) من عدمها شئ يخص كل فرد إذا أراد أن يمتثل لها أم لا، وهذا يدلل على أن الجيش سيظل جيش السودان الشامل الحاضن لكل أفراد قبائل السودان المختلفة، ولا يمكن مصادرة طريقتهم في التفكير والانتماء السياسي والحزبي وحتى الجهوي لأنها أشياء تقديرية يتخلف الحكم فيها من فرد إلى آخر حسب بيئته وطريقته ومنهجه في الحياة والتفكير.
صيحي يمكن القول أن حكومة الإنقاذ ساهمت بأن تحول تعظيم حصتها في اختيار طلاب الكلية الحربية في حقبة حكهما لتضمن من يقف معها ويساندها ولكن لا تستطيع ان تأخذ كل الحصة لأن الكلية الحربية بها ضباط كبار وقادة أركان من مختلف الجبهات الحزبية والسياسية وربما الكثير منهم غير مسيس أو مؤدلج، ولكن هناك من يفضل من كبار الضباط ومتوسطي الرتب والجنود أن يوثقوا علاقاتهم مع من يعملون لصالح الإنقاذ طالما أن هناك مشتراك ومصالح وطنية عليا، ولذلك تلاحظ بعض الضباط الذين تخرجوا في عهد الانقاذ من بيوت الأحزاب الكبيرة قبل أن تتحول الإنقاذ إلى حكومة مؤتمر وطني إذ هنا بدأ العديد من الذين انضموا او تصالحوا مع الإنقاذ من مختلف الأحواب، الاستثمار في علاقاتهم لصالحهم ولتعظيم استغلال العلاقات الشخصية أيضا.
خلاصة القول إن قلت أن معظم أفراد الدفاع الشعبي من بيت الإسلاميين، ربما تكون على صواب لأن حتى بعض منتسبي الدفاع الشعبي ليسو كلهم من الأخوان المسلمين أو أحزاب المؤتمر الوطني، ولكن بطبيعة الحال فإن الجيش يختلف تماما فهو له عقيدته القتالية وتدريباته وأعماله ويجمعه مع الإنقاذ ومع الدفاع الشعبي حماية حمى السودان ومقدراته، وسيظل كذلك على مرّ الحقب والأزمان.
لذلك فإن الحملة السلبية للجيش حاليا، مجرد فكرة خبيثة موبوءة بأوهام غير حقيقية ستؤثر بشكل خطير على المديين المتوسط والبعيد على الأمن القومي السوداني،وسآتي على ذلك في مقال آخر منفصل، فإن كان هناك عدد كبير من الاسلاميين في الجيش فبالمثل ستجد هناك شيوعيين وبعثيين وجمهوريين وناصريين وبالمثل ستجد من هم ينتسبون إلى الأحزاب التقليدية بما في ذلك حزب الأمة بمختلف أحزابه التي انقسمت على بعضها والأمر نفسه نجده في الحزب الاتحادي الديمقراطي والوطني الاتحادي وبقية الأحزاب الصغيرة الأخرى، وليس من الحكمة الإعلان عن انتسابهم الفكري او العقدي او السياسي أو الحزبي، فالجيش يرفض الأدلجة المعلنة، حتى يتفرغ إلى واجيه المنوط به وهو الدفاع عن الوطن وعن شعبه وحفظ حقوقهم ومقدراتهم وثرواتهم.
المقابل اللاحق سنقف على الخلفية التاريخية والعقيدة القتالية للجيش السوداني والتي ستقف حصنا منيعا ضد أدلجته لصالح فئة محددة من التيارات والأحزاب اليسارية واليمنية والوسطية ..

About Author

 للإنضمام الي إحدي مجموعاتنا علي الواتس اب اضغط علي الروابط

صحيفة السياسي (1)

صحيفة السياسي (2)

صحيفة السياسي (3)

صحيفة السياسي (4)

صحيفة السياسي (5)