الأربعاء. يوليو 24th, 2024

*حتى لا ندفن رؤوسنا بالرمال*

إبراهيم عيسى هدل
hadalcom@hotmail.com

يفضل البعض الاستماع لما يطمئنهم ويحقق أمانيهم وأحلامهم ويقع أغلبهم في حالة من التفكير الرغائبي، فيميلوا للهرب من الحقائق المجردة والوقائع الماثلة ويفسروها وفقاً للهوى والميل العاطفي بعيداً عن الاعتراف بالخطأ ومحاسبة النفس ومساءلة المتسببين فيه أياً كانت مراكزهم الرسمية ومكانتهم الاجتماعية حتى لا تستغل من قبل الأعداء لاسيما في حالات الاستقطاب السياسي والحروب القائمة.

ثمة أخطاء استراتيجية فادحة وقعت فيها قيادة الجيش السوداني قبل وأثناء وبعد اندلاع الحرب في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، التي تسببت في الهجوم الكبير للدعم السريع على الدولة وانتشاره الواسع بالعاصمة المثلثة لعل أولها هو الاستهوان بقوة الدعامة وعدم التقدير السليم لعديدهم وعتادهم، وتسبب هذا الاستهوان والتقليل من شأن العدو في إطالة أمد الحرب لأكثر من ثمانية أشهر وكشف خطأ تقديرات الفريق أول ياسر العطا في إنهاء المعارك في غضون أسبوعين أو أسابيع محدودة، وحتى هذه اللحظة لا يعلم بالتحديد حجم قوات الجنجويد التي تقاتل بولايات الخرطوم والجزيرة وكردفان وتحتل أجزاء واسعة من ولايات دارفور.
الخطأ الاستراتيجي الثاني ـ ولعله الخطيئة الكبرى ـ هو اعتماد الجيش لاستراتيجية دفاعية محضة عن مقاره ومعسكراته الأساسية كالقيادة العامة وأسلحة المدرعات والمهندسين والإشارة ومنطقة وادي سيدنا العسكرية ولم يلاحق الجيش الفارين من المعارك بعيداً عن مقراته، ولم يحرك قواته مع المستنفرين لتحرير قلب العاصمة من السكة حديد جنوباً لشارع النيل شمالاً ومن حي بري والقيادة العامة شرقاً إلى جزيرة توتي وغابة السنط غرباً فضلاً عن انتزاع مقر الإذاعة والتلفزيون بأم درمان، بل قامت القوات الخاصة بتحرير بعض المناطق وانسحبت منها وأعطت خطة القيادة الدفاعية الفرص لتجمع الجنجويد مرة أخرى ومعاودة الهجوم لنفس المقرات التي تم إجلاءهم منها في اليوم التالي، بما يشي ذلك بوجود طابور خامس كبير داخل المؤسسة العسكرية وفي قمة قيادتها المتقاعسة عن أداء الواجب بجدية وحسم وعزم أكيد.
الخطأ الثالث هو الغياب التام للإعلام الحربي وإلغاء دور فرع التوجيه المعنوي والاكتفاء ببيان صوتي مقتضب للناطق الرسمي للقوات المسلحة وغالباً ما يأتي متأخراً بعد أن تملأ الأسافير بأخبار يبثها الجنجويد وتملأ الآفاق بانتصاراتهم المزعومة بالميدان مما رجح كفة إعلام الجنجويد ورسخ هيمنتهم على فضاءات الميديا بدعم سخي من دويلة المؤامرات العربية، في غياب شبه تام لإعلام الدولة ووزارة الإعلام عن الساحة فاصبح “اللايفاتية” هم مصادر للأخبار المسربة إليهم من جهات مجهولة المصدر، تغيب إعلام الدولة الرسمي عن المشهد وانسحاب الإعلام الحربي من المعركة أمر متعمد المسئول الأول عنه الجنرال البرهان ورئيس أركانه صاحب القدرات العسكرية المتواضعة جداً.

سيطرة الجنجويد على أغلب ولايات دارفور وهجومهم المتكرر على الأبيض وعدد من مدن وقرى كردفان وتهديدهم الماثل لولاية الجزيرة وحاضرتها مدينة ود مدني يشي بوجود خلل عسكري واستخباراتي وانعدام تام للأمن الوقائي مما يستوجب عزل طاقم القيادة الحالي ابتداء من القائد العام ورئيس الأركان ونوابه ومساعديه، فلم يعد هؤلاء مؤهلين لقيادة البلاد للنصر العسكري الحاسم، وذلك لان هذه القيادة الرخوة هي التي ترعرع الدعم السريع في كنفها وتمدد في غفلة تامة منها ولعل هذا يكفي لمحاكمتهم محاكمة عسكرية في الميدان بدلاً من إضفاء قدر من التكريم والتبجيل لسياسة الاسترخاء والاستهوان ثم إصدار الأوامر بالانسحاب التي تعتمدها قيادة فاشلة في التقدير الصحيح للموقف.
وهناك بالشق المدني في الدولة تهاون أكبر ينبغي أن تشمله المحاسبة والمحاكمة ممثلا في وزارة العدل وديوان النائب العام الذي اكتفى بقائمة يتيمة تجرم عدد محدودة من قيادة الجنجويد ولم تشمل القائمة ذراعهم السياسي وطابورهم الخامس بالداخل والخارج وكل من يمد الارهابيين بالمال والسلاح والدعم اللوجستي، وكذلك وزارة الإعلام المتراخية في التغطية الاخبارية لأحداث الحرب اليومية وكأن الحرب تدور في بلاد الواق واق ولا شأن لها بالعاصمة والولايات السودانية حتى لقاءات قائد الجيش مع جنوده تغيب عنها كاميرات الفضائيات السودانية العاملة طوال فترة الحرب، ولا يخفى على الجميع منع قناة طيبة الفضائية من التغطية الإعلامية بالسودان وفقاً لقرار اتخذته حكومة د. عبدالله حمدوك السابقة والذي اعتمده وكيل وزارة الإعلام السابق الرشيد سعيد يعقوب وما يزال ساري المفعول بحراسة أزلامه بالوزارة ولا يجرؤ الجنرال البرهان رفع قيود الإعلام حتى لا يتهم بإعادة الكيزان للمشهد من جديد.
ما تزال فضيحة مخرجات قمة الايقاد بجيبوتي تلاحق وزارة الخارجية التي تدار بعقلية موظفين وسفراء متقاعسين عن اداء واجباتهم على النحو الأكمل، وذلك نتاج لسقوفات الجنرال البرهان المتدنية وتعويله على الحلول التفاوضية التي تصنع بالخارج وتكبيله وتأخيره للحسم العسكري واحكام لجام جنوده والمستنفرين طوال أشهر قيادة الجنرال البرهان للجيش والدولة وستظل البلاد تحت قيادته تتنقل من ضعف لضعف حتى يقيض الله للسودان قيادة بديلة تزيح هذا الضعف والهوان وتبعده عن سدة الحكم.

About Author

 للإنضمام الي إحدي مجموعاتنا علي الواتس اب اضغط علي الروابط

صحيفة السياسي (1)

صحيفة السياسي (2)

صحيفة السياسي (3)

صحيفة السياسي (4)

صحيفة السياسي (5)