الأربعاء. يوليو 24th, 2024

القضارف مدينة رويانة يقتلها الظمأ

( هذي رؤاي)
عبد العزيز عبد الوهاب

قادني النزوح بسبب الحرب إلى مدينة القضارف ، فأكرمنا أهلها أيما كرم ، سيبقى خالدا فينا ما بقينا ، وولاية القضارف كما درسنا في الكتب ، تختلف كليا عند التحقق من تفاصيلها بالمشاهدة والمعايشة الحية .

فهي ولاية وريفة ، معطاءة ، غنية بمواردها وإنتاجها اللامتناهي من السمسم والذرة والخضروات والفواكه والصمغ العربي ( حيث تعد الثانية في إنتاجه بعد كردفان) .

والولاية إختصها الله سبحانه وتعالى بمزايا طبيعية قلٌ أن تتوافر لغيرها ، من أهمها الأرض المسطحة المستوية والهشة ووفرة هائلة في الأمطار تكفي لسقيا الأرض والبشر أكثر شهور العام .

وهي مؤهلة تماما ؛ حتى في أدنى تقييم لمواردها ؛ لسد حاجة السودان بأكمله ، وحاجة دول الجوار من المحاصيل التي لاغنى عنها للإنسان والحيوان .

ورغم هذا الثراء والإكتفاء ، لكن الناس هنا ، يعانون أشد العناء من نقص المياه ، لاسيما في الصيف ، حيث يشتد العطش وتبلغ الروح الحناجر ، ولا وصف أصدق لهذا الحال من شطر البيت :
..عجز القادرين عن التمام

وقصة العطش التي تفقع المرارة ، رواها لي مسؤول رفيع بحكومة الولاية ، حيث أكد لي أنه تم عمل التمديدات المطلوبة من مصادرها النهرية إلى حدود المدينة وبنسبة إنجاز عالية جدا .

لكن العمل توقف منذ ثلاث سنوات بسبب ما سماها ( معاكسات) من البعض لخصها لي بما معناه : علي الطلاق مانشرب نحنا أول ، زول يشرب ماف !
وهي أن بعض القرى يصر أهلها على أن تصلهم المياه قبل غيرهم .

غير أن الأزمة ترقد وراء هذه الرواية غير المتماسكة التي يمكن حلها بتدخل الأجاويد في ( قعدة جبنة ) لا أكثر .

فعطش القضارف قديم ومخجل ، كونه إنحشر طوال عقود وتعاقب حكومات في لعبة التعاطي السياسي ، وصارت( مياه القضارف) أحد أهم الشعارات التي يتبارى بها طغمة النادي السياسي دون إنجاز يرفع الرأس .

والأزمة بتقديري ، هي أزمة خيبات إدارية وسياسية غير منظورة وضمير مهني منقوص النزاهة معدوم الكفاية ، ومجموع أهلي ومدني يدمن الإنتظار ، يسلخ الآخر ، يجلده ، دون أن يلوم نفسه عن تقصيره المذموم في النهوض لهذا الاستحقاق الوطني الحيوي ، الذي يتطلب التنادي والمشاركة الجماعية بلا استثناء ، كلٌ من موقعه وحسب طاقته فكريا وماديا .

ستتجاوز (هذه الرؤية) كل ما كُتب وقيل ودُفع من مال وما تم فيه من تجاوز ومآكل ، للبدء في بناء خطة تتجاوز ( اللت والعجن) السابق .

فالمطلوب شركة أجنبية ( كافرة ) لكنها صادقة مهنيا بذمة مالية مرموقة السمعة ، وتمويل منضبط بسقف محدد ، يخضع لرقابة محكمة من أشخاص بعدد اليد الواحدة ، مهرة محمودي السيرة ، بعيدا عن اللجان بإنبثاقاتها المكرورة وحوافزها المليارية ومخرجات إجتماعاتها الفطيرة التي تفقر بأكثر مما تغني .

وذلك عبر خطة مستدامة للقضاء على هذه المحنة نهائيا ، خطة تستجيب للتطوارت الرأسية والأفقية لنصف قرن مثلا.

إنه لمثير للشفقة ومفجع أن يرضى رجال القضارف الأنقياء الأثرياء بهذا الوضع البئيس لمياه الشرب / أصل الحياة وسر منشأ الأحياء ، ومن بينهم من تكفل ذات سنة عسيرة بدفع مرتبات المدرسين في الولاية ، وآخر تحدث عن أن أرباحه من الزراعة لهذا الموسم بلغت فقط 400 مليار ، متراجعة عن مداخيل الأعوام السابقة .

تتدفق مياه القضارف اليوم عبر براميل صدئة تجرها عربات كارو عليلة كليلة ، لتكون هي بمثابة مواسير الإمداد حتى لبيوت الموسرين .

خطورة هذا المسلك تتمثل في نقل الأوبئة والأمراض للناس ، عبر وسائل نقل (عصرحجرية) و مواعين تخزين أكثر تواضعا و تخلفا.

حتى مياه الأمطار التي يعتمد عليها أكثر السكان ، فحتى لو نزلت معقمة و(مطعمة) من السماء ، فإنها حتما ستفضي إلى أمراض وأسقام مكلفة نفسيا وماديا ، طالما كانت مواعين التخزين هي المواعين .

اللهم نسألك ماء زلالاً و خطة عاجلة تنهي هذا العطش العضال يتولاها رجالاً أكفاء في مدى منظور .
ودمتم

About Author

 للإنضمام الي إحدي مجموعاتنا علي الواتس اب اضغط علي الروابط

صحيفة السياسي (1)

صحيفة السياسي (2)

صحيفة السياسي (3)

صحيفة السياسي (4)

صحيفة السياسي (5)